| الفـقـه الجــامـع
ذ. عبدالله ايت الحاكم
الغاية الإحسانية إذن هي مطمح الإرادة، وهي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الأمة من جديد. يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه في "الفتح الرباني" المجلس 43: (أسرع إلى الأساس فإذا أحكمته أسرع إلى البناء. ما الأساس ؟ الأساس الفقه في الدين، فقه القلب لا فقه اللسان، فقه القلب يقربك إلى الحق عز وجل، وفقه اللسان يقربك إلى الخلق وملوكهم، فقه القلب يتركك في صدر مجلس القرب من الحق عز وجل، يصدرك ويرفعك ويقرب خطاك إلى ربك عز وجل)اهـ. وإن أي إصلاح لا يقدر هذه الخطوة قدرها، يوشك أن تكون عاقبته إلى غير رشد. ذلك أن الفقه في الدين يقتضي فقها في أركان الإسلام وأخلاق الإيمان وأذواق الإحسان جميعا، وأن إخراج الدين من غربته الثانية يعني إعطاء كل مرتبة حقها من الإحياء والتجديد.
ثم مع فقه القلوب اهتمام بأمر المسلمين، فقد ورد في الصحيح أن الدين النصيحة. وهو ما يطلب منا فقها في جميع معاني النصح الواردة في الحديث، ومنها النصح لأئمة المسلمين وعامتهم. فقهُ نصيحة الأمة يعني دعوةً وتعليما، وتعبئةً وإعدادا للطاقات. وفقهُ نصيحة الولاة يعني تصحيحا لمسار الحكم المنتقض منذ قرون، في اتجاه الشورى والعدل، تعرضا للموعود النبوي بخلافة ثانية على منهاج النبوة.
نورد حديثا يجمع لنا مجالي الفقه الكامل كما جاء به إمام الفقهاء عليه مني صلاة وسلاما ملء الأرض والسماء.. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَقَالَ : " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه.ُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ : إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِين، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ " [ابن ماجه: المناسك – الخطبة يوم النحر]. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِنِصْفِ النَّهَار.ِ قَالَ فَقُلْتُ مَا خَرَجَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ. فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُه.ُ فَقَالَ :نَعَمْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ فَأَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْه.ُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيه، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه.ُ لَا يَعْتَقِدُ قَلْبُ مُسْلِمٍ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة.َ قَالَ :قُلْتُ :مَا هُنَّ ؟ قَالَ : إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّه، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَه.ُ قَالَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى قَالَ هِيَ الظُّهْرُ"[الدارمي 231 المقدمة- الاقتداء بالعلماء].
نحتاج في عصرنا إلى قراءة مثل هذه الأحاديث القراءة المنهضة لهمم المسلمين في زمن الغثاء، الدالة على الله وسط أهل التطاول في الدنيا من العالة رعاء الشاء.
يقيننا بما أوتيه المصطفى الكريم من جوامع الكلم وجواهر الحكم يفرض علينا أن نصل بين شطري الحديث لنفهم أن الفقه الواجب تحمله وأداؤه هو فقه يضع جنبا إلى جنب إخلاص العمل لله تعالى، والنصح لحكام المسلمين، والسعي لجمع
كلمة الأمة. كل ذلك والآخرة مرمى النظر، حتى يجمع الله بهذه "النية الحسنة" شمل القلوب والعقول والجهود على الهم الواحد.
تشتت الفهم الجامع منذ انتقضت عروة الحكم، فصار التحمل والأداء مقتصرا – بسبب الظلم والاستبداد – على فقه الفروع دون "فقه النصح"، بل صار لفظ الفقه عَلَما على أحكام العبادات والمعاملات، ومسائل الجدل والمناظرات لا على "علم طريق الآخرة". قال الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" الأصل 263: (فهؤلاء الذين انتحلوا هذا الرأي وأكثروا فيه الخوض سموا هذا فقها، وخيل إليهم أن هذا هو الذي ما عبد الله بمثله، وهو هذه المسائل التي عندهم فقط، ولا يعلمون أن أستاذيهم تكلموا بها ثم قالوا وددنا أنا نجونا منها كفافا لا لنا ولا علينا مثل إبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين رحمهم الله في زمانهم، وأبي حنيفة وسفيان والأوزاعي ومالك رحمهم الله في زمانهم، فكلٌّ تمنى الخلاص منه لا له ولا عليه، وهؤلاء أعرضوا عن سائر العلوم التي حاجة الناس إليها في كل وقت، وصار هذا النوع فتنة لهم فتراه طول الدهر يقول يجوز ولا يجوز، يدخل فيما بينه وبين عباده مع الحيرة في ذلك، ولا يدري أصواب هو أم خطأ، ثم تراه في خاصة أمره ودينه عوج كله، فإقباله على نفسه حتى يكف منها ما لا يجوز خير له من إهماله نفسه وإقباله على إصلاح الناس، ذلك ليعلم أنه مفتون. وكان المتقدمون أولى بالشفقة على الأمة والحرص على الدين والنصيحة لله، فشغلهم إصلاح أنفسهم عن الخوض في هذه الأشياء حتى يلهيه عن عيوب نفسه).
صحيح أن الفقه أطلق منذ عهد النبوة على علم الحلال والحرام، كما في قول أمنا عائشة رضي الله عنها: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) عندما سألت إحداهن عن غسل المحيض. [مسلم : الحيض- استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك]. وكما في قول سيدنا عمر رضي الله عنه: (ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل) [مجمع الزوائد: باب أخذ كل علم من أهله]. لكنه ما كان الأصل، وما كان كلَّ الفقه، بل صار على من بعدهم فتنة وهلاكا.
قال في [فيض القدير]: (ومر عن حجة الإسلام أن حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب ثم ظهر على اللسان فأفاد العمل فأورث الخشية فالتقوى، وأما الذين يتدارسون أبوابا ليعزز به الواحد منهم فأجنبي من هذه الرتبة العظمى). وقال في موضع آخر: (أراد بالفقه المذكور العلم بمعرفة الله وصفاته. قال :وأما الفقه الذي هو معرفة الأحكام الشرعية فقد استحوذ على أهله الشيطان واستغراهم الطغيان، وأصبح كل منهم بعاجل حظه مشغوفا، فصار يرى المعروف منكرا، والمنكر معروفا، حتى ظل علم الدين مندرسا ومنار الهدى في الأقطار منطمسا. فتعين أن المراد هو علم الآخرة الذي هو فرض عين. فنظر الفقيه بالإضافة إلى صلاح الدنيا، ونظر هذا بالإضافة إلى صلاح الآخرة. ولو سئل فقيه عن نحو الإخلاص والتوكل، أو وجه التحرز عن الرياء، لما عرفه مع كونه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه. ولو سئل عن اللعان والظهار، يسرد من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج لشيء منها. وقد سمى الله في كتابه علم طريق الآخرة فقها وحكمة وضياء ونورا ورشدا).
لذلك نجد في السنة أن مما يطلب من الفقه، إتقانُ لغة الضاد وأساليب البلاغة والبيان من أجل توظيفها في الدعوة والإقناع. وأن من الفقه تحري الحكمة في التبليغ، والتخفيف على الناس في الوعظ. عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ :قَالَ أَبُو وَائِلٍ :خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا :يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْت، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْت.َ فَقَالَ :إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَة، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا" [مسلم: الجمعة - تخفيف الصلاة والخطبة أحمد : أول مسند الكوفيين الدارمي : الصلاة- في قصر الخطبة].
ونجد أن من الفقه ربط الصلة بالحبيب صلى الله عليه وسلم مدحا له وتعظيما، وتعريفا بخصاله الشريفة وشمائله الحميدة من رفق ورحمة وشفقة على الخلق. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس، فَقَالَ :اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِرْ لِأَحَدٍ مَعَنَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَقَدْ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا. ثُمَّ وَلَّى حَتَّى إِذَا كَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَشَجَ يَبُولُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : "إِنَّمَا بُنِيَ هَذَا الْبَيْتُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهُ لَا يُبَالُ فِيهِ " ثُمَّ دَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهُ عَلَيْه، قَالَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدَ أَنْ فَقِهَ: فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي فَلَمْ يَسُبَّ وَلَمْ يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَضْرِبْ " [أحمد: باقي مسند المكثرين ابن ماجه :الطهارة وسننها- الأرض يصيبها البول كيف تغسل]. مِنْ فِقْهِ الأعرابي التفاتته اللطيفة إلى الخلُُُُُُُق النبوي الرفيع.
ونجد في السنة كذلك أن من الفقه الكامل إصلاح المعيشة واكتساب الحلال. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ" [أحمد: مسند الأنصار]. قال في [فيض القدير]: (من فقه الرجل أي جودة فهمه وحسن تصرفه أن يصلح معيشته، أي ما يتعيش به بأن يسعى في اكتسابها من الحلال(...)ويستعمل القصد في الإنفاق بلا إسراف ولا تقتير، وليس من حب الدنيا طلب ما يصلحك أي ما يقوم بأودك وحاجة عيالك وخدمك ونحوهم، فإنه من الضروريات التي لا بد منها، فليس طلبه من محبة الدنيا المنهي عنها).
لم "ترفق" في معيشتها أمة تُعْرَف بأكبر نسب الفقر والبطالة والمديونية، و"تعيش" بغير اكتفاء في ميادين التجارة والفلاحة والتصنيع. متى تتفقه الأمة على مثل هذه النصوص، لتتحرك في أبنائها داعية النهوض فيقدموا النموذج الناجح الشاهد بالقسط لخير أمة أخرجت للناس قصدا واقتصادا ؟. الله ولي ذلك والقادر عليه، لكنْ بِأَيْدٍ مؤمنة متوضئة قامت من وطاء الدعة والاسترواح، منتصبة على ساق العمل الدؤوب، لتودع زمان الغربة... وتلتقي بالموعود.
الموعود نجده في سورة الصف مطلقا : {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } الآية9. ومشروطا بالإيمان والجهاد الشامل : {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين } الآيات 10-13. ومشروطا بالصحبة في الله محبة وتشربا : {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارا لله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } الآية14. جاءت الآيات بلفظ الجهاد عاما لتحرضنا على خوض جميع أشكاله، وجعلتْ نصرةَ الله هي عينَ النصرة إليه (أنصاري إلى الله) لتُعَلِّقَ قلوبنا بمعاني الصحبة والمخاللة لأوليائه سلوكا إليه.
ثمرة فقه الجهاد الجامع نصر من الله وفتح قريب. وثمرة الصحبة ظهور على الأعداء وتأييد. ولمن جمع بينهما كرامة إتمام هذا النور وإظهاره على الدين كله ولو كره كل جبار عنيد.
|